أبي حيان التوحيدي
281
المقابسات
للماء ؛ ومدار الخير على النفس والبدن ، على تصفية المعقول منه ، لا على تسليط الحس عليه ، ونقل التمثيل والتشبيه اليه ؛ ألا تعلم أن الشئ على فنون ، كالسياسة في السائس ، وكالسائس في السياسة ، وكالماء في الحب ، وكالحب في البيت ، وكالبيت في الفضاء ؛ فقد يلحظ الجوهر في الجوهر على خلاف ما يلحظ في الجوهر ( ؟ ) ، ويلحظ البسيط في المركب على شكل غير شكل المركب في البسيط ثم بين الذي قسطه من البسيط على قدر آخر فرق بالضعف والقوة ، وهكذا الحال في المركب والتركيب ، وبهذا الفرض الموهوم حصل بين الشبيهين فرق غامض لا يقف عليه إلا من توغل وتغلغل ، وحصل بين المتباينين شبه خاف لا يسبق إليه إلا من تخلل وتوصل ؛ ولهذا صار جل النظر والبحث ، بل الغالب الغامر إنما هو في إيضاح الفرق بين متماثلين لشدة تماثلهما ، وإيضاح الشبه بين متباينين لشدة تباينهما ، فليكن هذا من دعائم العلم عندك حتى يخف عليك طلب ما أشكل واستيضاح ما غمض وقد سلف في حديث النفس ما فيه شفاء النفس ، وسيمر فيما بقي من الكتاب أيضا ما يكون نافيا لكثير من الشبه ، ودافعا للكثير من الاعتراض ، وهذا اللهج في حديث النفس إنما هو لغلبة عشق البقاء الدائم والحياة الصافية من الكدر ، وكيف مانعتنا النفس وأنبأنا عنها فإنها بائنة الشكل والحال ، والظاهر والباطن ، والفعل والانفعال ، والحقائق والخصائص ، عما عليه البدن . أعنى إن قلنا : إن النفس في البدن على سعة ، عرض [ الحلول ] في مواضعه ، أو قلنا مصرفة الجسم على سعة ، عرض التصريف في مواقفه ، أو قلنا الجسم منفعل لها أو بها على سعة ، عرض الانفعال . واختلاف معان لها وبها . فعلى جميع هذه الوجوه قد وضح أن شأنها غريب ، وأن سرها عجيب ، والنظر في أمرها واجب ، واليسير مما يستفاد من حديثها كثير ، وإني لأعجب ممن يظن أنها تابعة للمزاج ، فهلا نامت عند نوم الانسان ؟ فإن المزاج قد جبل على النوم